يقدّم الكاتب سكوت أندرسون، مؤلف كتاب “ملك الملوك” حول الثورة الإيرانية، قراءة نقدية لمسار الحرب الأمريكية على إيران، حيث يرى أن العملية العسكرية التي حملت اسم “الغضب الملحمي” انتهت إلى نتائج عكسية كشفت حدود القوة العسكرية التقليدية وأعادت رسم موازين الصراع.


ينشر هذا المقال عبر صحيفة النيويورك تايمز، ويحلل التحول من التصعيد العسكري إلى مسار تفاوضي متردد، في ظل إدراك متزايد بأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تحقق أهدافها الاستراتيجية.


فشل الضربات العسكرية وتحوّل ميزان القوة


تكشف التطورات الأخيرة أن القصف المكثف الذي استهدف البنية التحتية العسكرية الإيرانية لم يدفع النظام في طهران إلى الانهيار، ولم يحرّك انتفاضة داخلية كما توقعت واشنطن. على العكس، عززت إيران قدرتها على الرد عبر التحكم في مضيق هرمز، ما وضع الاقتصاد العالمي تحت ضغط مباشر.


يطرح هذا الواقع خيارين لا ثالث لهما، إما تصعيد شامل يقود إلى دمار واسع، أو تسوية سياسية تترك النظام الإيراني قائمًا بل وأكثر قوة. ومع تراجع احتمالات الخيار الأول، يبرز المسار التفاوضي باعتباره النتيجة الأقرب، رغم ما يحمله من تداعيات سياسية على الإدارة الأمريكية.


الطائرات المسيّرة تغيّر قواعد الحرب


يعيد الكاتب تفسير مآلات الحرب من خلال عامل حاسم يتمثل في الطائرات المسيّرة، التي غيّرت طبيعة الصراع العسكري الحديث. تسمح هذه التكنولوجيا منخفضة التكلفة لدول أقل تفوقًا عسكريًا بمواجهة قوى كبرى وإلحاق خسائر مؤثرة بها.


تعكس التجربة الإيرانية هذا التحول بوضوح، حيث تنتج طهران طائرات مسيّرة بتكلفة محدودة مقارنة بالصواريخ المتطورة التي تعتمد عليها الولايات المتحدة. ورغم التفوق الجوي الأمريكي، تحتفظ إيران بقدرة مستمرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًا يتجاوز كلفة أدواتها العسكرية.


يؤدي هذا التوازن الجديد إلى استنزاف الموارد الأمريكية، حيث ترتفع كلفة العمليات العسكرية بشكل كبير، بينما تستمر إيران في استخدام وسائل منخفضة التكلفة لفرض معادلة ردع فعالة.


مأزق استراتيجي وضغوط نحو التسوية


يدفع هذا المشهد الإدارة الأمريكية نحو البحث عن اتفاق مع طهران، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية. تتراجع القدرة على الحسم العسكري، بينما تتصاعد الحاجة إلى احتواء الأزمة عبر التفاوض.


تستغل إيران هذا الوضع لصالحها، حيث تطيل أمد المفاوضات وتسعى للحصول على تنازلات أكبر، تشمل تخفيف العقوبات وربما تعويضات عن الأضرار الناتجة عن الضربات العسكرية. وفي حال الوصول إلى تسوية، يرجّح أن تخرج إيران بموقع أقوى، خاصة في ما يتعلق بدورها في تأمين أو تهديد الملاحة في الخليج.


تعكس هذه الحرب تحوّلًا عميقًا في طبيعة الصراعات الحديثة، حيث تفقد القوة العسكرية التقليدية قدرتها على تحقيق الحسم السريع، في مقابل صعود أدوات جديدة أكثر مرونة وأقل تكلفة. يبرز مضيق هرمز كمثال حي على هذا التحول، حيث تتحكم أدوات بسيطة نسبيًا في توازنات اقتصادية عالمية.


تكشف هذه التجربة أن الأمن العالمي لم يعد يعتمد فقط على التفوق العسكري، بل على القدرة على التكيف مع أدوات الحرب الجديدة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو عملية “الغضب الملحمي” أقرب إلى “خطأ كارثي” أعاد تشكيل موازين القوة بدلًا من فرضها.

 

https://www.nytimes.com/2026/05/04/opinion/iran-us-israel-war-drones-strait-of-hormuz.html